الأحد، 21 نوفمبر، 2010

ابتسم.. إنتا يا دوب نص جنيه

ذات مرة تعطلت سيارتي.. وتعذر علي ركوب تاكسي بسبب "بغددة" سائقي التاكسيات، خاصة وأني أفخر بالسكن في منطقة شعبية من مناطق الشريحة الوسطى من الطبقة الوسطى، كما أن الوقت كان متأخرا بعض الشئن واضطررت إلى أن أستقل سيارة ميكروباص. وحدث ما هز وجداني بطريقة عنيفة، وأدركت معه لم يستخف بنا حاكم كالبقرة الضاحكة.
منادي الميكروباص كان صبيا لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره، متوسط البدانة، ربع البنيان، ممتلئ الوجه أسمره، يرتدي "تي شيرت وبنطلون في حالة رثة تبديان ارتدائه لهما منذ عشرة أيام على الأقل متضمنة نومه بهما، وبرغم حداثة سنه إلا أن صوت كان مبحوحا؛ إلا أن هذه الإصابة لم تكن تمنع صبيا في عمره من التحدث بصوت أجش للركاب، وكان صوته يحمل فظاظة تلقائية وقسوة عفوية يبدو أنه اكتسبها من طيلة شقائه وصراعه مع الزبائن أو السائقين الذين ربما وجدوا فيه فريسة غضة اللحم.
وبينما نحن في الطريق، إذا به يقول للسائق: "وقف.. هات النص جنيه ده". وتعجبنا جميعا: هل وصل الفقر بهذا الطفل أن يتابع الأرض ليلمح نصف جنيه ملقى على قارعة الطريق وأن يوقف الميكروباص لإحضاره.
توقف السائق، وإذا براكب يصعد للسيارة؛ ثم يتابع السائق شق طريقه، كان الراكب كهلا في الخمسين من عمره؛ نوبي الملامح، مشرق الوجه وإن اعتلى وجهه أثر الكد، بسوم وإن حملت بسمته انكسار فوات عتو العمر بقدر ما حملت أمارات وهن الجسد، وتناقض بياض شعره مع سمرة وجهه. واكتشفنا جميعا أن النصف جنيه لم يكن سوى هذا الراكب. 
هل وصلت بنا القسوة حد أننا هذا الطفل الغض الوجدان أنكر في هذا الرجل كونه آدميا، أو أنه أب كأبيه يسعى للعودة لبيته بعد يوم عمل شاق ليجلس برهة مع أبنائه قبل خلودهم للنوم؛ أو ليأكل لقيمات ادخر في سبيلها ما يدسه في جيبه من نفقات يومه. اختزل الطفل كل هذه المعاني ولم ير في هذا الرجل سوى "نص جنيه" خرجت من فم الطفل غليظة قاسية جافة؛ كانت أقرب ما تكون في ابتلاعها إلى كبيرة من الكبائر تصدر عن شيخ أشرف على لقاء ربه.
حانت مني التفاتة إلى جاري في الميكروباص، ووجدته يقلب رأسه تحسرا على المسكين.. 
وما هي إلا ثوان حتى ابتلعنا الطريق وتوارت الواقعة في وجدان كل منا إلى حين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كن إيجابيا وأدخل تعليقا يليق بك