الاثنين، 4 يونيو، 2007

هادخل يمين بالعافية

في بدايات خبرتي في قيادة السيارات في مصر كنت منبهرا بحجم الاستقامة في الشارع المصري. تلك الاستقامة التي تجعلك مضطرا لأن تسير بصورة مستقيمة؛ برغم أنك في حاجة ملحة للانعطاف يمينا؛ ربما لأنك معك مريض في حالة حرجة تريد الذهاب به للمستشفى، أو لأنك مرتبط بموعد عمل وتأخرت عليه بسبب زحام المرور، أو ربما لأنك رأيت مفاجأة يومك متمثلة في موضع شاغر يمكنك أن تركن فيه سيارتك بعد أن أنفقت من وقتك نصف ساعة تبحث عن مكان آمن من تهورات السائقين و"ونش" المرور الذي يذرع الشارع جيئة وذهابا باحثا عن فريسة اضطرت الظروف صاحبها للوقوف في الممنوع.
المهم أنك تريد الانعطاف للدخول في الشارع القادم على اليمين، لكن استقامة الشارع تمنعك. هذا ما حدث معي. لكنها استقامة من نوع فريد؛ وتحمل إصرار على المضي قدما والحيلولة - بأي صورة - دون تمكينك من الانعطاف يمينا.
في اللفة الأولى، أنرت مصباح الانعطاف اليميني (فلاشر) وحاولت الانعطاف، وكادت سيارتي أن تنال صدمة متينة. توقفت لكي يمر المثابر فيمررني من يقف خلفه مراعيا أني أضئ مصباح الانعطاف؛ ولكن هيهات هيهات. فالسيارة خلف غريمي اقتربت منه حتى التصقت به، وثابرت هي الأخرى حتى وضعت مقدمتها أمام مقدمة سيارتي، ومرت، ومرت السيارة التي خلفها، وارتفعت أبواق السيارات خلفي احتجاجا على خيبتي وقلة حيلتي، واضطررت للمضي قدما حتى الشارع التالي؛ محملقا باستعجاب في نظرات الظفر التي علت وجه السائق الذي تجاهل إضاءة مصباحي.
وعند الشارع التالي أضأت مصباح الانعطاف مجددا؛ ولكن دون جدوى، واضطرتني الأبواق مجددا للمضي قدما من دون أن أدخل للشارع الذي به مقر عملي. ولم يفتني أن ألحظ هذه المرة نظرة التحفز في عين السائق الذي مر دون أن يسمح لي بالانعطاف؛ ذلك التحفز الذي تحول بدوره إلى شعور بالظفر عقب تمكنه من منعي من الانعطاف.
تضحكون!!؟ أقسم أني لا أبالغ في وصفي هذا.
وعند الشارع الثالث قررت؛ قررت آسفا، أن أنعطف يمينا بقوة الذراع. وقررت أيضا أني لن أضئ مصباح الانعطاف. وألقيت بسيارتي على السيارة المجاورة لي، والتي استشاط صاحبها غيظا فأصم أذني ببوق سيارته وصاخب سبابه. وبقدر ما تضايقت من السباب بقدر ما انتابتي فرحة غامرة؛ ربما بسبب نجاح هذه الانعطافة. لكنني اكتشفت فيما بعد سر فرحتى الغامرة التي بلغت مني مبلغ السعادة. وكان السر في أنني حللت أحد ألغاز القيادة في الشارع المصري؛ ودخلت يمين بالعافية، ورغم أنف السائق على يميني.
وبحلول نهاية يوم العمل؛ كنت قد حسمت أمري، وعاودت رشدي، وقررت أني عند انعطافتي القادمة سأنير مصباح الانعطاف؛ لكني سأنعطف رغم أنف السائق المجاور.. نوع من الأدب والإصرار عليه. :)

الثلاثاء، 6 مارس، 2007

مولد وليس شارعا


أول يوم أخذت قرار بعد اعتبار نفسي متدرب وقررت القيادة عشت واحدة من أسود لحظات حياتي، حتى بدأت أتأقلم، ومن لا يتأقلم سيرى من صنوف ألوان العذاب النفسي والبدني (عن طريق أمراض الضغط والسكر والقلب) ما لم يكن يخطر له على بال قبل شراء السيارة.
كنت قبل هذا أرحم نفسي باستقلال التاكسي، وأحيانا التكتك، وأيضا الميكروباس، وكنت دوما أتلهى فيما أصطحبة بيدي من صحف أو مجلات أو حتى كتاب، أو أهيم مع نفسي ي ملك الله. ولم أتصور أني ضيعت على نفسي خبرة كنت بحاجة إليها.

اللحظات السوداء التي حكيت عنها من قبل تتمثل في أن الطريق ليس للسيارات فقط، بل تجد الدراجات، والكلاب، والقطط، والحمير، وأسوأ شئ ممكن تتخيله هم سائقو دراجات الدليفيري؛ الذين لا يبالون هل جرحوا سيارتك أم لا، فهو يصدمك، ويجرح سيارتك أو يخبطها؛ ثم يقول لك: "آسف" أو معلش". ويا ويلك يا سواد ليلك لو اعترضت.
والناس لا مانع لديها من أن تعبر وسط السيارات أو وفقها أو تركب على طهرها لحد ما توصل.
الخلاصة أنك في هذا الجحيم ليس عليك أن تصرف انتباهك ولو للحظة عن الناس السائرة غالبا وهي سرحانة، والحيوانات المارة التي لم تعد تبالي أن تدهس أو تهرس، وسائقو الميكروباس الذين إن فكرت أن تسبقهم أو تهرب من جوارهم فيمكنهم أن يلقنوك درسا يكلفك مئات الجنيهات. وإياك وعدم الانتباه لسائقي الموتوسيكلات الذين يظهرون فجأة إلى جوارك؛ مع أنك كنت تنظر في المرآة الجانبية قبل بضع ثوان، ناهيك عن العربات الكارو، والدراجات، وكل شئ.
ذات مرة قررت أن أجعل استخدامي لسيارتي هو الاستثناء، وأن أستعيض عنها بالمواصلات. وهنا تذكرت لماذا اشتريتها. فأسوأ شئ أن تركب تاكسي أو مترو أو ميكروباس، وحتى الأوتوبيس المكيف صار لعنة ندفع فيه تذكرة مبالغ في سعرها مع إن التكييف باظ، والزجاج تكسر، والباب مفتوح، والمنظر يخنق، والرائحة بالداخل تبعث على القئ.
أمري لله.